MSF | تجربتي في غينيا: لبنانية مع "أطباء بلا حدود"

تجربتي في غينيا: لبنانية مع "أطباء بلا حدود"

Nov 24, 2017

روت الدكتورة ديما المجلي تجربتها مع منظمة "أطباء بلا حدود" وكتبت :

"شو صاير عليكي؟"، "أفريقيا؟؟؟!!"، "وكمان مشروع لعلاج السيدا؟!"، "شو انقطعت الوظايف؟!"... كثيرة هي ردود الفعل التي تناهت إلى مسامعي في كل مرة أخبرت فيها أحدهم عن الطريق الجديد الذي قرّرت أن أسلكه في حياتي المهنية، عبر انضمامي إلى منظمة "أطباء بلا حدود" كمشرفة مختبر لتشخيص وعلاج فيروس نقص المناعة البشرية في غينيا. فما الذي قد يدفع شابة متعلمة وناجحة إلى ترك وظيفة ثابتة في مختبر للذهاب إلى أفريقيا التي تسودها الأمراض والإهمال؟

ليس من السهل أن تتّخذ طريقاً مختلفاً بعض الشيء عمّا يعتبره الكثيرون المسار الطبيعي للحياة، خصوصاً في بلد يُعتبر فيه أنه لا يجدر بشخصٍ أن يفكّر بالغربة إن كان يحظى بمستوى علمي متقدّم ويشغل وظيفة براتب جيد، وفي حال راودته الفكرة، فمن الطبيعي أن تكون وجهته أوروبا أو أميركا الشمالية التي لطالما جذبت اللبنانيين.

لم تكن غينيا الوجهة الحلم للكثيرين، ولم يكن عملي في مشروع علاج فيروس نقص المناعة البشرية الوظيفة الأمثل، إلا أنه كان أرضاً لم أستغرق وقتاً طويلاً لأكتشف خصوبتها، فزرعت فيها أحلاماً وآمالاً مختلفة عن طموحات الآخرين، أرض إنجازات افتخرت بتحقيقها، لم تتمثل بالعيش في بلد حيث كل الخدمات "خمس نجوم" بل بأمل بعثته في نفس ما، في بسمة ساهمت في رسمها، في الشعور بأنك أحدثت فارقاً وتغييراً في حياة أحدهم وجعلتها أفضل لو بعض الشيء.

سافرت إلى غينيا منذ ستة أشهر، حيث تتواجد منظمة "أطباء بلا حدود" منذ العام 1984 وتدير مشاريعاً لرعاية مرضى السيدا والمتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية، وقد بلغ عدد الأشخاص الذين تلقوا علاج الخط الأول من مضادات الفيروسات القهقرية 9,400 مريضاً عام 2016.

ويكمن الهدف الرئيسي للمشروع في تخفيف معاناة حاملي الفيروس ونسبة الوفاة لديهم بالإضافة إلى الحد من انتشار هذا الفيروس، وخفض وصمة العار والتمييز الذي يعانون منه ونشر التوعية بين أوساط المجتمع عن طريق تنظيم حملات للكشف المبكّر عن الفيروس لعلاجهم وحماية محيطهم من خطر الإصابة. وتدعم المنظمة مركزاً في العاصمة كوناكري وستة مراكز أخرى في مناطق نائية.

تمثّلت وظيفتي بالإشراف على العمل المخبري والحرص على إجراء الفحوصات وفقاً للمعايير التشغيلية المطلوبة، وذلك عن طريق تنظيم زيارات طويلة إلى مختبرات المراكز المدعومة، لتقييم ما تحتاجه من تقنيات وفنيين وتصليحات وتدريب الكارد العامل على المعايير الجديدة.

لا أنكر أن بعض الخوف والشعور بالمسؤولية قد انتابني حين عُرضت عليّ بعثتي الأولى، لكن حماسي واهتمامي فاقا هذا الخوف بأشواط، خصوصاً أني وجدت الوظيفة مشوّقة جدّاً من الناحية العملية إضافة إلى البعد الإنساني الذي تتخذه طبعاً. فكّرت كثيراً في ما ينتظرني، أشياء لم أعهدها من قبل، حياة جديدة ومختلفة خارج دائرة ما هو مألوف، لكني وجدت كل الأمور منظّمة ومدروسة على كافة الصعد من لحظة توظيفي وحتى الوصول إلى بلد البعثة، من معلومات ومكان الإقامة ودعم نفسي وما إلى ذلك، ما سهّل انسجامي وتأقلمي في محيط العمل الجديد. بالطبع خفت وتساءلت، من أين وكيف أبدأ؟ كيف أكسب ثقة الأشخاص الذين أشرف عليهم وكيف أتعاون معهم لإنجاز عملي على أكمل وجه؟ تجسّد التحدي الأكبر بالنسبة إلي سواء كمسؤولة أو كفرد في المنظمة في أن أكون لطيفة وصادقة في الوقت نفسه.

غيّرتني التجربة على الصعيدين المهني والشخصي على حد سواء. على الصعيد المهني اختلفت هذه التجربة عن كل ما قمت به من قبل، فحين تعمل في مختبر خاص مغلق تشعر أن حدودك تكمن هنا والمختبر هو كل شيء، إلا أن العمل في منظمة كـ"أطباء بلا حدود" يجسّد عمل الفريق بامتياز حيث كل الوظائف والأقسام مترابطة ومتداخلة، كما أن تجربتي سمحت لي برؤية الجانب الإنساني من الطب وليس فقط جانبه الخدماتي. ففي المراكز الصحية يُعدّ الاستشفاء ميزة للأغنياء أمّا هنا فالحاجة هي التي تقرر والرعاية الصحية تعتبر حقّاً من حقوق الإنسان.

وأكثر ما جعل هذه التجربة مهمة هو وقع المشروع على حياة الناس حتى لو صعب قياسه بطريقة مباشرة، إذ أن عملي لا يشمل الاحتكاك المباشر مع المرضى. يعتبر معدل انتشار الفيروس في كينيا منخفضاً نسبياً، بحيث يبلغ 1.7%، لكن نسبة الوفاة الناجمة عنه عالية جداً، ما يدل على أن كثيرين ممن يحملونه يجهلون ذلك. هذا مع التذكير أن الإيدز للأسف يُعدّ من المحرّمات ولا يحكى عنه علناً والمعنيون يعيشون مختبئين. لكن مؤشرات كثيرة جعلتني ألمس أهمية ما تقوم به المنظمة ليس فقط في حق حاملي الفيروس بل عامة المجتمع، فعندما يُقدَّم العلاج لحاملي الفيروس فهم بذلك يعطون فرصة للبقاء على قيد الحياة والتعايش معه، كما أن التشخيص والكشف عن الفيروس يساهم بحماية محيط المريض من الإصابة به.

أما على الصعيد الشخصي فقد أضفت هذه التجربة إليّ الكثير، فتعلّمت أهمية التحلّي بالمرونة والتروي وفهم الأمور ووجدت في انضمامي إلى منظمة دولية وتعاملي مع جنسيات وثقافات مختلفة فرصة للعمل على تحسين الذات والتعايش والتأقلم مع الآخرين. والمواقف والتجارب التي مررت بها في غضون ستة أشهر أحتاج لسنوات كي أعيشها لو بقيت في بلدي، فالأمور تحصل بطريقة مركّزة وسريعة من ناحية المواقف والمفاجآت ومجرى الأحداث وخروج ودخول الناس في حياتك، ما يسرّع عملية التطور والنضوج.

لقد غيّرت هذه التجربة نظرتي للحياة وشكّلت نقطة تحوّل في خبرتي العملية والإنسانية إذ لمست الحياة في الميدان وأدركت أهمية العمل الذي تنفّذه منظمة أطباء بلا حدود في حياة كل من هم بحاجة إلى الرعاية الطبية في جميع أنحاء العالم. غرفت خبرة مختلفة وفريدة أتوق لتكرارها مجدداً في أفريقيا أو غيرها من البلدان الأقل رفاهية...

يذكر أنّ منظمة "أطباء بلا حدود" هي منظمة إنسانية دولية مستقلة تقدّم الرعاية الطبية المجانية إلى الأشخاص المحتاجين في 70 بلداً حول العالم، بغضّ النظر عن العرق والدين والجنس والعقيدة والانتماء الطائفي.